Showing posts with label رنا داود. Show all posts
Showing posts with label رنا داود. Show all posts

Tuesday, April 29, 2014

تصفّح اللبنانيّين لموقع "هآرتز" الإسرائيليّ: مجازفة بالأمان والخصوصيّة

ترويسة موقع هآرتز الإلكترونيّ
لا يتوقّف خطر تعرّض اللبنانيّين لموقع "هآرتز" الإلكترونيّ الإسرائيليّ عند المجازفة بانتهاك قانون العقوبات اللبنانيّ الذي ينهي عن التعامل مع إسرائيل على كافّة الصعد: الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة. لكنّ فتح حساب على الموقع ودفع اشتراك، أو حتّى تصفّحه فقط يجعل المستخدمين عرضة للإختراق الأمنيّ الإلكترونيّ لأجهزتهم وحساباتهم.

إعلان للإشتراك في موقع هآرتز
عرض الاشتراك
يوضح عمر كبّول، الباحث في الأمان والخصوصيّة الرقميّة بعض الأمور التقنيّة الحسّاسة التي  على المستخدمين التنبّه إليها. "فشروط الموقع وأحكامه تنصّ على استخدام المعلومات الشخصيّة لأغراض التسويق والإعلان ولتحليل "الترافك"، وليس هناك تصريح واضح إن كانت المعلومات التي تخزّن في قاعدة بيانات تنقل أو تباع إلى طرف ثالث الذي قد يستخدمها لأغراض أخرى خارج إطار الدعاية. كما تشير إلى تحميل "الكوكيز" (سجلّ التتبّع) التي تتعقّب عادات التصفّح للزائر، كنوعيّة المواقع وطبيعتها والبلد، إلخ، بهدف دراسة اهتمامات القارئ وترويج المقالات التي تعنيه.  يشير كبّول أنّه من اللافت أنّ الموقع يرسل كلمة المرور للمستخدم، أي أنّ المستخدم لا يختارها بنفسه ولا يمكن تغييرها إطلاقًا.



يرى كبّول أنّ هذه المعلومات خطيرة، كونها مادّة جيّدة ومساعدة للاختراق أو القرصنة (أي الهاكينغ) إذا ما كانت في متناول "الهاكر". المعلومات الشخصيّة وعنوان البريد كافية لاستهداف المستخدم عن طريق الـ "social intelligence" أي "الذكاء الإجتماعيّ". فيقوم المقرصن بتجميع معلومات أوسع، ليشكلّ "قاموسًا" (dictionary) يسجّل فيه معطيات للتوصّل إلى كلمة المرور لحسابات المستخدم، مثل أعياد الميلاد، ومنطقة السكن، وأسماء المقرّبين، أو المدارس والجامعات التي ارتادها الشخص، أو الهوايات، استعدادًا لـ"brute force attack" أي "مهاجمة القوّة العمياء" لاختراق الحسابات". وبناء عليه، للإسرائيليّ القدرة على اختراق حسابات للبنانيّين قد تحوي معلومات سريّة، يمكن أن تستخدم في عمليّات استخباراتيّة، وذلك ممكن، خاصّة بوجود الوحدة "٨٢٠٠" للتجسّس الإلكترونيّ في جيش الدفاع الإسرائيليّ.
أمّا عن خطر تطبيقات الهواتف، فيحذّر كبّول من الصلاحيّات لتطبيق الموقع على الهواتف الذكيّة التي تصرّح الدخول إلى التطبيقات الأخرى على الجهاز نفسه، إضافة إلى الصور والكاميرا والميكروفون.


أمّا بالنسبة لاستخدام اللبنانيّين لبطاقات الإئتمان على موقع "هآرتز"، فذلك يعتبر علاقة تجاريّة مع جهة إسرائيليّة يعاقب عليها القانون اللبنانيّ بحسب المحامي اللبنانيّ جاد خير الله. ومن جهة أخرى، يحذّر كبّول من استخدامها على أيّ موقع إلكترونيّ بشكل عام، نظرًا لصلاحيّة الشركة بتجديد الاشتراك دون إعلام صاحب الحساب، فيفضّل استخدام بطاقات منفصلة مخصّصة للإنترنت أي "ويب كارد". وبناءً عليه، لصحيفة "هآرتز" الصلاحيّة في خصم مبالغ من حسابات اللبنانيّين المصرفيّة، دون الحقّ لهم في مقاضاتها إن قامت بمحاولة اختلاس.



لا توجد معطيات تجزم إن كان القائمون على موقع "هآرتز" يسيؤون استخدام بيانات مشتركيهم أو زائريهم، ولكنّ البعض يعتبر أنّ الخطر موجود، بما أنّ إسرائيل تنتهز أيّ فرصة للنيل من اللبنانيّين في كافّة المجالات، فهي تحتلّ جزءًا من الأراضي اللبنانيّة، وتسرق مياه الينابيع اللبنانيّة والنفط اللبنانيّ في البحر الأبيض المتوسّط، وتخرق الأجواء اللبنانيّة يوميًّا، ولكنّها أيضًا متربّصة لمستخدمي الشبكة للتحايل عليهم إلكترونيًّا. على اللبنانيّين أن يعوا لهذا الخطر، ولا يقدّموا بياناتهم "على طبق من فضّة" للإسرائيليّين على الإنترنت، بحسب كبّول.



رنا داود

Saturday, April 26, 2014

عن أن تكون تلميذ ديمة الخطيب

نقلًا عن حساب ديمة الخطيب في إنستاغرام

عرفتُ اسم ديمة من خلال تويتر. لم نتفاعل يومًا، لكنّ تغريداتها كانت في كلّ مكان. تغرّد عن الثورة، عن الحبّ، عن القمر، عن اللغة العربيّة، وغيرها الكثير. كانت شخصيّة مثيرة للاهتمام خاصّة أنّ شعبيّتها في تويتر زادت مع بدء ثورتي تونس ومصر. تابعتها ذات مرّة لكنّها ملأت "خطّي الزمنيّ" فقمت بإلغاء المتابعة لازدحام التغريدات. لا أخفي أنّي كنت -وما زلت- أتسلّل إلى حسابها كلّ فترة لأرى تحديثاتها.


مرّت الأيّام، إلى أن شاهدتها في مؤتمر "أيّام الإنترنت العربي" في جلسة حول أهميّة اللغة العربيّة اليوم. أعلم أنّها كانت تدرّس في الجامعة العام الماضي، وأنّها معروفة بقسوتها في التدريس. تقدّس اللغة العربيّة لدرجة أنّها "تحرّر مخالفات" في حصصها بالعربي لكلّ طالب يتفوّه بكلمة إنكليزيّة، وتجعله يدفع غرامة تذهب لصندوق خصّص "للتكفير عن الذنوب الإفرنجيّة".


اليوم ديمة معلّمتي. التعرّف بديمة عن قرب مختلف. تزداد حشريّتي في حضرتها وتدفعني لتعلّم المزيد منها. حبّها للصحافة أوّلًا، وولعها باللغة العربيّة، وشغفها بالمعرفة جميل. بدأ الفصل حماسيًّا. لم يكن عندي شكّ أنّه سيكون تحديًا كبيرًا.


كلّ الوظائف التي طلبت منّا كانت تجارب جديدة. فلم سيبق لي أن كتبت وأعدّيت وأنجزت تقريرًا متكاملًا  لأيّ من المنصّات، بدءًا من المكتوبة، إلى الإذاعيّة، وصولًا  للتلفزيونيّة. في كلّ منها اختبرت متعة، ولعنتُ الساعة ألف مرّة. والحقيقة أنّ وقتي كان ضيّقًا جدًّا، فأنا في بداية الفصل وقّعت عقد عمل ألتزم فيه بدوام ثلاثة أيّام كاملة من الأسبوع، ويبقى لي يومان في الجامعة، ويومان آخرين للعطلة أحضّر فيهما الوظائف المطلوبة. وإلى جانب صفّ "السرد عبر وسائط متعدّدة" كان عندي ٤ صفوف أخرى تتطلّب تحضيرًا مسبقًا واختبارات، وغيرها، فكنت دائمة الانشغال، ممّا جعلني أحسّ في كثير من الأحيان أنّي مقصّرة. والآن، وبما أنّ نهاية الفصل قد اقتربت، أرى أنّه كان بإمكاني تكريس وقت أكثر ومجهود أكبر لدراستي الجامعيّة. لكن لا بأس.


اختيار محوري لم يكن صعبًا، فالتفاعل الإلكترونيّ مع الإسرائيليّين لطالما أثار اهتمامي، خاصّة وأنّ مسألة الحرب، أو الاحتلال أو كلّ ما يتعلّق بإسرائيل يعنيني، فقد عايشت احتلال العدوّ للجنوب اللبنانيّ. أمّا التجربة المفضّلة لدي فهي الإذاعة - وقد كتبت تدوينة منفصلة عنها. في الواقع لا أعلم لماذا، لكنّها كانت الأمتع. للصوت خلف المذياع لذّة. قد يكون حبّي للإذاعة يتولّد من أوّل ذاكرة لي في الطفولة: صوت أبي يراسل الإذاعة في بيتنا القديم عندما كنت في الثالثة. كنّت أجلس مع أمّي وأختي الكبرى على "الحصيرة" نستمع إلى الراديو، وكلّ تقارير والدي كانت تبدأ بالجملة ذاتها: "قصفت قوّات الاحتلال الإسرائيليّ". أو ربّما حبّي للإذاعة جاء من حبّي لريتا خوري التي لم ألتقيها يومًا. أعرفها فقط من صوتها في الراديو ومن تغريداتها. كنتُ أتمنّى لو تسنّى لنا التدرّب على الإلقاء والنفس في الإذاعة وفي التلفزيون أيضًا.


للمدوّنة حكاية أخرى- وقد كتبت تدوينة منفصلة عن التجربة. لكنّي عشقتُها. كانت منبرًا لم أعره اهتمامًا من قبل. فأنا مزاجيّة جدًّا في اخيار ما أكتب وما أنشر. لكنّ الموعد الأسبوعيّ للنشر جعلني أجبر نفسي (مش عم نقّ) على خلق قصّة جديدة. أنا فخورة ببعض التدوينات التي كتبت، وقد لقيت إعجابًا من الكثير من معارفي.
كنت أتمنّى لو اهتمّت زميلاتي بالمدوّنة أكثر، عوضًا عن معاملتها كوظيفة جافّة. في البداية قرأت تدوينات جيّدة ووجدت في بعض الفتيات قدرة رائعة على التعبير. إلّا أنّ المدوّنة لم تلقَ اهتمامًا ملحوظَا في الأسابيع اللاحقة. وجدتُ لذّة في الكتابة هنا للتعبير عن ما لا يمكنني الإفصاح عنه مباشرة، أكان في الحياة اليوميّة أو حتّى على حساباتي الافتراضيّة. كنت أتمنّى لو اهتمّت ديمة بتدويناتنا أكثر. في أوّل أسبوعين كنّا نقرأ كتاباتنا في الصفّ، ولكنّنا توقّفنا عن ذلك لانشغالنا بالتحضير للتقارير المتنوّعة. لم تطّلع ديمة على التدوينات إلّا في نهاية الفصل، فغاب عنها الكثير من المشاركات، الجيدة والرديئة. بالرغم من أنّ محتوى التدوينات لم يكن مقيّمًا، لكن بعض الملاحظات على كيفيّة الكتابة، والترتيب، ومعالجة المواضيع ضروريّة جدًّا. تمنّيتُ لو أشرفت ديمة على المدوّنة وتابعت العمليّة عن كثب. بصراحة، كان هناك مشاركات لا تستحقّ النشر، وحبّذا لو صوّبت ديمة ذلك خلال الفصل. أعرف أنّ التدوين يتوقّف عند أهواء كلّ فرد، ولكلّ منّا أسلوبه. لكن ذلك لا يعني أنّ أيّ شيء صالح للنشر أو التدوين. . لم يعجبني أيضًا اسم المدوّنة وعنوانها.. كان ركيكًا و"كتير كليشيه". لكنّ إجماع زميلاتي عليه جعلني أغضّ النظر.  


مرّ الفصل على خير، أو هكذا أظنّ. تعلّمنا الكثير، وتألّمنا قليلًا. كنت في بعض الأحيان أحسّ أن ديمة تبالغ في التشدّد في معايير التقارير المسلّمة، وكأنّها تتوقّع من طالبات السنة الثانية الذين يخضن تجربة حقيقيّة للمرّة الأولى، أن ينتجوا تقارير بنفس جودة تقاريرها، هي صاحبة خبرة ما يقارب عشرين سنة في العمل الصحفيّ. أعرف أنّه كان هناك أخطاء لغويّة ونحويّة لا تغتفر، اقترفتها وزميلاتي. وكم أخجل من نفسي عند ارتكاب أخطاء طيش (هبل) أو تسرّع باللغة العربيّة، فأنا آخذ على عاتقي تصحيح الأخطاء التي أراها على الإنترنت أو بين أصدقائي.


على صعيد آخر، كنت أتمنّى لو كان هناك جدول زمنيّ محدّد لإنجاز الوظائف نلتزم به. وكنت أتمنّى لو خصّصت لكلّ طالبة جلسة قصيرة (١٥ دقيقة مثلًا) على انفراد لمراجعة المهام المطلوبة في كلّ حصّة كي يتسنّى لنا التدقيق أكثر في الأفكار، وتطوير النصوص والعمل على تحسين قصصنا أكثر. عدم الالتزام بالجدول المعدّ مسبقًا أوقعنا في فخّ امتحانات نهاية الفصل التي لا تنتهي. ناهيك عن ضيق الوقت لهيكلة المواضيع وتنقيحها. نهاية الفصل، أي بينما أكتب التدوينة هذه من غرفة المونتاج، والساعة تشير إلى الخامسة صباحًا تشهد على ذلك. كنت أتمنّى أيضًا لو أنّ تقييم درجاتنا جاء بشكل دوريّ ومنظّم أكثر، عوضَا عن التشتّت في علامات كلّ منّا.


وأخيرًا، لديّ اعتراف. (أرجو أن لا أندم عليه لاحقًا). لم أختر اختصاص الصحافة. ولم أكن أتوقّع أنّي أمتلك مهارات يمكنني توظيفها في مجال الإعلام. لكنّ ديمة استطاعت أن تستخرج من كلّ منّا طاقات واعدة. وأعترف أنّي أجد متعة فريدة في البحث عن القصص والمعلومات والقراءة والمطالعة والكتابة باللغة العربيّة. استمتعتُ بهذه المادّة. كانت تجربة غنيّة علّمتنا الكثير عن أنفسنا وعن العالم. اختبرتُ السهر لمطلع الفجر مع ابتهال وأميرة في الأيّام الأخيرة. وأشكر ابتهال لكونها أوّل من قرأ مسودات تدويناتي، وتقاريري. وجّهت إليّ انتقادات ساعدتني كثيرًا في تعديل وتحسين عملي.


أن تكون تلميذ ديمة يعني أنّك تتدرّب على يد مَن يعتبر الصحافة أسلوب حياة، وهو أمر يتطلّب وقتًا منّا كوننا لم نأخذ مادّة صحافيّة في صلب اختصاصنا من قبل. أن تكون تلميذ ديمة يعني أن تستمع لمن يحبّ البلاد العربيّة وكأنّه يحمل جواز سفر كلّ منها، وينتمي إلى عواصمها وكأنّه عاش فيها عقودًا. حبّ الإكتشاف والاستطلاع فيها ينعكسان في حديثها. واهتمامها بالتفاصيل رهيب.


ديمة الخطيب خارج الشاشة بعيدًا عن تغريداتها ومدوّنتها فتاة حالمة تبحث عن ندّ لشغفها في عيون طلّابها. تقسو عليهم ربّما كي لا يستهتروا برسالة الصحافة التي كرّست حياتها من أجلها. لا يمنع ذلك أن "تأخذنا في حلمها" وتحنو علينا، فما زلنا في أوّل الدرب.
ديمة، شكرًا لكلّ ما علّمتينا إيّاه ولكلّ ما سنكتشفه بأنفسنا.

رنا داود

Saturday, April 19, 2014

سكون

 الصورة من الشبكة

جلس يتابع عملاً يشغله منذ أسابيع، بل شهور، ولم ينتهِ منه بعد. ضوء شاشة التلفاز ينير الغرفة الصغيرة. تلعب موسيقى "پينك فلويد" بصوتٍ منخفض في الخلفيّة، ويتداخل معها زفير المكيّف.
تشير عقارب ساعة الحائط إلى الثانية صباحًا. وصلَتْ.  
استقبلها بابتسامة. طبع قبلة سريعة على خدّها الأيسر، وألقى التحيّة. دخلت إلى مقرّ عمله وجلست بجانبه على الأريكة السوداء. بديا مرتبكيْن، فهي المرّة الأولى التي تزوره في بيته رغم أنّه دعاها مرارًا.


كان البخور يعمّ أرجاء الغرفة، تخالطه رائحة احتراق الشمع الخفيفة. أكمل العمل على حاسوبه. بدا حائرًا قليلًا. سألته عن تطوّرات عمله في محاولة لكسر الارتباك. انتقلت من سؤال إلى آخر. لكنّ إجاباته كانت خجولة. ربّما بسبب التعب الذي بدت ملامحه تظهر على وجهه. سألتهُ إن كان قد استمع إلى النسخة العربيّة الشهيرة لأغنية "Comfortably Numb" بما أنّ "Pink Floyd" فرقته المفضّلة. أجاب بالنفي، فـ"بعض الأغاني لا يمكن تعريبها" قال لها.


تناول سيجارة من العلبة وأشعلها. لاحظَتْ أنّه اختار نوعًا مختلفًا من السجائر فقد استبدل الأميركيّة بالفرنسيّة.
- غيّرت سيجارتك؟
- لأ بس ما كان عندهم "مارلبورو" بالمحلّ، فاشتريت هيدي.
- عطيني وحدة.
أشعل سيجارتها، وراحا يدخّنان. بالرغم من أنّها ليست صديقة للسجائر، لكن لم يزعجها الدخّان ليلتها. راحت تزفر الدخان الأبيض للجهة المقابلة، وتشاهد حركات جسده. سألته: "قدّيه صرلك بتدخّن؟". فأجابها: "٨ سنين، بس مش كتير فخور بالخبريّة". تابعت التودّد لسيجارتها الوحيدة وهي تتفرّج على اللفافة تحرق نفسها على عجل.


وضعت ما تبقّى من اللفافة في صحن السجائر، فاهتمّ هو بإطفائها. ثمّ تمدّدا على الأريكة. حضنها بين ذراعيه، وكأنّه لا يريد أن تفلتَ منه. قبّلت راحة يديه، وانهمكت تحفظ تضاريس أصابعه. مرّرت أصابعها في شعره الكثيف. تحسّست شكل أذنيه، وأنفه. لمست شفتيه، ومشّطت لحيته الخفيفة. وكأنّها تكتشف الجسم البشريّ لأوّل مرّة.


لم يتكلّما قط. تمنّت لو شاركها ما يدور في باله. أيّ شيء... اكتفيا بلغة جسديهما.
سألته مرّتين وهي بين ذراعيه: "إنتَ منيح؟"، فأجابها "إيه، إنتِ منيحة؟". تنهّدت وأومأت بنعم، وانشغلت بهدوء اللحظة.


كان كالطفل الصغير الذي لا يملّ من حضن أمّه. أمعنت النظر في ملامحه، إذ بها تراها تختلفُ كلّما نظرت من زاوية جديدة. ابتسم بخجل بين الفينة والأخرى، وهو يغمض عينيه. حفظت شكل ابتسامته، طولها بعرض ثلاثة من أصابعها مجتمعة.

حضنته، شمّت عطر عنقه للمرّة الأخيرة، وغادرت منزله عند الثالثة والنصف.


رنا داود



Wednesday, April 9, 2014

تجربة الإذاعة


هذه التدوينة هي فرصة أوّلًا لتوجيه الشكر لمساعدتي في الوظيفة الإذاعيّة، الآنسة إبتهال، صاحبة البال الطويل (كتير). لولاها، لما كنّا أنجزنا المطلوب.
قضيتُ وابتهال قرابة الأسبوع نعدّ لتقاريرنا الإذاعيّة، نكتب، ونخربش، ونسجّل، ونغنّي، نستلّذ بالعمل حينًا ونلعن الساعة حينًا آخر. كمّ مرّة أعدنا التسجيل، والكتابة، والمونتاج، ثمّ أعدنا ترتيب المقابلات والمؤثّرات الصوتيّة. وكم مرّة ظننا أنّنا لن ننجز تقريرًا جيّدًا. لكنّنا فعلًا خرجنا بتجربة فريدة، اختبرنا فيها لذّة المبتدئين.
لم أنفّذ عملًا شبيهًا من قبل، لكنّي وجدت في العمل الإذاعيّ سحرًا خاصًّا، بعدما استمعت مطوّلًا لتقارير البي بي سي، وحاولتُ إنتاج عمل مماثل. في تقريري الكثير من الأخطاء التقنيّة، لكنّي سعيدة بما أنجزت. كنتُ أتمنّى لو استطعنا التدرّب على الإلقاء والتمرّن على النفس والوقف. لكن لا بأس. أودّ سماع تعليقاتكم.



رنا داود

Tuesday, April 1, 2014

فكرة

من مكتب عملي


نافذتي صغيرة، والعالم كبير. 

Tuesday, March 25, 2014

إلى باسم يوسف: عن الأمل


لم أصدّق يومها أنّي كنتُ وباسم يوسف في القاعة نفسها. نجم الشاشة الوسيم، الحذق، والمفوّه كان حيًّا أمامي!
حظيتُ برؤية باسم في أيّار/مايو من العام الماضي، في منتدى الإعلام العربيّ الذي ينظّمه نادي دبي للصحافة. كنت قد سجّلت لحضور المنتدى بعد علمي بأنّ "باسم" على لائحة المتحدّثين، خاصّة وأنّه كان حديث الناس حينها. وقد كان استدعاؤه من قبل النائب العام تحت ضغط الإخوان إبّان عهد محمّد مرسي ما زال (طازة) ساخنًا.

بدأتُ بمتابعة "البرنامج؟" منذ بدء عرضه على "سي بي سي". كان بمثابة نافذتي على السياسة المصريّة. ساعدني على فهم هيكليّة النظام، والتعرّف إلى واجهة الإعلام المصريّ، وإن كان في إطار كوميديّ "غير موضوعيّ"، على حدّ تعبير يوسف.


باسم يوسف يتحدّث في المنتدى (تصويري)
تحدّث باسم في جلسة عن "الإعلام الساخر" مع عدد من الوجوه الإعلاميّة العربيّة من الخليج والأردن ومصر، وأدار الجلسة طوني خليفة. أحسستُ بالشفقة على المتحدّثين في الجلسة نفسها. بدوا وكأنّهم في صفوف الجمهور، فقد طغى حضور باسم على الجميع في القاعة. فكّرتُ بأنّه كان الأجدر أن يتمّ تخصيص جلسة نقاش مفتوحة مع يوسف، لئلا يكون وجود الإعلاميّين الآخرين هامشيًّا. حتّى أن الحشود الموجودة في الصالة اختفت فور مغادرته.
بدا باسم يومها هادئًا. يعكس استرخاء جسده ثقة لا يزعزعها سؤال ملغوم. ولم يزد إعجابي بحنكته إلّا إعجابًا.  

يتربّع صاحب الشخصيّة المثيرة للجدل، اليوم على عرش "النيو ميديا" بتحدّيه للظروف الصعبة لممارسة مهنته. لا أذكر شخصيّة أكثر "كاريزما" من باسم. لا أذكر إعلاميًّا ذا تأثير شعبيّ واسع، وجماهيريّة ليست محلّيّة، بل إقليميّة وعالميّة أيضًا مثله. لم أفكّر فيه كطامعٍ بالمال أو متعطّش للشّهرة، كما يتّهمه الكثيرون، بل رجل مبادئ جريء.

والحقيقة أنّ باسم يشغل بالي منذ أيّام. تحديدًا منذ يوم الأربعاء ١٩ آذار/مارس عند إطلاق وسم #باسم_طلع_حرامى، وإنفجار "تويتر" بخبر سرقة باسم لمقاله الأسبوعيّ في جريدة "الشروق" المصريّة، والذي تناول فيه الأزمة الأوكرانيّة-الروسيّة. اعتدنا إطلاق الشائعات عن باسم، فانتظرتُ لليوم التالي كي أعرف التفاصيل. وجاء الخبر اليقين: باسم اقتبس مقالًا  للكاتب البريطانيّ "بن جودا" وكتّابًا آخرين دون ذكر المصدر، أو الإشارة إلى صاحب الأفكار الأصليّ.

اعتذر باسم عن الخطأ بتغريدة عابرة (قام بمسحها لاحقًا) متذرّعًا بأنّ المرجع "سقط سهوًا"، بحجّة "ضغوط العمل" وإنشغاله في إعداد "البرنامج؟" الذي أسفر عن هذا الخطأ. لم يصدّقه كثيرون. وسقطت صفات "الدكتور" و"الإعلاميّ" وغيرها عن باسم ليصبح بنظر الكثيرين "حرامي" فعلاً.

لم أتسرّع بإطلاق الحكم رغم أنّ الموضوع أقلقني. انتظرتُ حلقة "البرنامج؟" ليل الجمعة الماضي، علّي أسمع تصريحًا مباشرًا من باسم. عرّج على الموضوع بـ"إيفيهين" عن السرقة، وعبارتين رنّانتين في الجزء الثالث من الحلقة عن أنّه إنسان يخطئ. شكر الناس على نقدهم البنّاء، مشدّدًا على أنّ خطأه غير مبرّر… ثمّ عاد نهار ٢٢ لينشر مقالًا  في "الشروق" يطهّر فيه خطيئته الأولى، يعيد فيه حجّته، ويقدّم اعتذارًا مطوّلًا  للجمهور، ويعلن فيه الابتعاد عن الكتابة لفترة.

لم تبعث كلمات باسم الطمأنينة في نفسي، بل زاد قلقي ليلة الأحد الماضي، عندما نشر أحد معدّي "البرنامج؟" والكاريكاتوريست المصري محمد أنديل فيديو على يوتيوب بعنوان "الشهادة الأخيرة". يعرض فيه "أنديل" الرّسالة التي تلقّاها من باسم يوسف يوم ٧ آذار/مارس على بريده الإلكترونيّ، وفيها مسودّة المقال ليرسم صورة كاريكاتوريّة مرافقة. والمفاجأة أنّ المسودّة تحتوي فعلًا على المصدر في ختام المقال. راح باسم يعيد تغريد كلّ من "شيّر" الفيديو ويدعو الناس إلى إنصافه..


باسم، لقد أخفقت مرّتين. الأولى عند "اقتباسك" المقال، والثانية عند محاولة "لفلفة" الموضوع ونسب المصدر متأخّرًا. اعتذارك فضيلة، وهو حقّك. أؤيّد ثقاقة الاعتذار التي تحدّثت عنها. لكن دعني أستعير كلماتك لتوصيفه: "جاءت طريقة تعاملك مع الموضوع لتحمل قدرًا كبيرًا من البلاهة والتسرّع والذعر والمكابرة والاستهبال".

دكتور باسم، لقد قرأت رسالتك مرارًا، وأعترف أنّي لست من قرّاء عمودك سابقًا. فتّشت فيها عن نفي للخطأ، وكونه "إيفيه" آخر، في إطار أكثر جدّيّة ربّما. وعندما لم أجده، بحثت عن تفسير. عن توضيح. عن أيّ حروف تمحو وقع "الفضيحة". لكنّي لم أعثر إلّا  على كلمات ندم تحاول مسح العار عن سمعة ملطّخة. لم تقنعني محاولتك المثيرة للشفقة بالدفاع عن نفسك.  

وبعد مشاهدة الفيديو زادت تساؤلاتي. لماذا انتظرت خمسة أياّم كي تدافع عن نفسك يا باسم؟ لماذا اعتذرت مرارًا وتكرارًا على خطأ لم ترتكبه؟ أليس في رسائل إعتذارك المطوّلة اعترافًا ضمنيًّا بالجرم؟ لماذا لم تُسكِت الاتّهامات الباطلة إذًا؟  مَن غفل عن تضمين المصدر في المقال المنشور؟ أهو خطأ المحرّر؟ وهل هو فعل مُتعمّد يريد النيل من سمعتك؟

لا أعلم لماذا أحبطني الأمر لهذه الدرجة. فلستُ إلّا واحدة من ملايين مشاهدي برنامجك. ربّما لأنّك بعثتَ الأمل في واقع لم يقدّم لنا إلّا اليأس.

باسم، فقدتُ الأمل، فهلّا أعدته؟
رنا داود

Tuesday, March 18, 2014

لحظة



لا أعرف الفتيات في الصورة وما بعرف كيف وليش ومين، لكنّي ما زلت أتأمّل لحظة الفرح هذه منذ الصباح، والابتسامة لم تفارق وجهي.

(الصورة بحسب المغرّدة من أرشيف مشروع خيري في الفيوم، مصر، لمؤسسة "بنبني حياة")

Sunday, March 2, 2014

ذاكرة بيروت


"تنتابني رغبة ملحّة" مؤخّرًا عن الكتابة عن بيروت، وتحديدًا آخر زيارة لي للمدينة في فترة عيدي الميلاد ورأس السنة. لكنّ عاطفتي لا تزال تنكر حالة البؤس التي رأيت آنذاك. أرفض مشاهد الزينة الحزينة، والشوارع البائسة وأهلها المتلكّئين. بالرغم من أنّي قضيت وقتًا ممتعًا برفقة من أحبّ، إلّا أنّي أرى حال بيروت المزري يتسلّل إلى ناسها يومًا بعد يوم، وكأنّ كلّ ما يدخل السرور في زواريب "ستّ الدنيا" يتلاشى.

لن أنمّق تدوينتي بكلام وطنيّ شاعريّ، ولن أرثي بيروت. لكنّي أخبّئ بعض الذكريات التي تحملني على الابتسامة كلّما اجتاحني الحنين لبيروت الأمس والغد، إليكم بعضًا منها. 


درج الجمّيزة - بيروت 

درج الجمّيزة - بيروت

جامع محمّد الأمين - وسط بيروت

باب كنيسة في الجمّيزة (نحن شعب مسالم بالفطرة) - بيروت

شارع الحمرا - بيروت

ساحة النجمة - وسط بيروت

فرن الشبّاك

من واجهة بيروت البحريّة - البيال
ساحة الشهداء (ويبدو تمثال الشهداء وجامع محمّد الأمين) - وسط بيروت

"السعادة تُشترى" - شارع الحمرا - بيروت
المنارة - بيروت

درج الجمّيّزة في النهار خاليًا، كما المساء - بيروت

(التقطت الصور في آخر أيّام ٢٠١٣ بواسطة كاميرا آيباد ميني
 




Sunday, February 23, 2014

خربشاتي

من المبكر الحديث عن "تجربة التدوين"، فلا زلنا نخربش بخجل. لكن أستطيع أن أحكي عن الكتابة.
كان لي بعض المحاولات الخجولة في صفحة "شباب" في جريدة "السفير" اللبنانيّة العام الفائت، ودوّنت مرّتيْن - لا أكثر- في مدوّنة منفصلة هجرتها منذ زمن.. بالرغم من أنّ  كلّ من اطّلع على كتاباتي البسيطة شجّعني على الاستمرار وإن لم أنشر، لكنّي أعترف بأنّ كتاباتي تتوقّف على مزاجيَ المتقلّب دائمًا.

لكنّ "وظيفة" المدوّنة فريدة من نوعها - حتّى الآن على الأقلّ. أخيرًا هناك مَن فسح لي المجال للتعبير بحرّيّة، بالطريقة التي أشاء، عمّا أشاء، وإن كُنت مجبرة على ذلك، فهناك الكثير من القصص تتنظر أن أرويها. هكذا أرى العالم، وهكذا أريده أن يراني. إنّي لمنذهلة من الإعجاب الذي ألقاه عند نشري تدوينة بين أصدقائي من المدرسة أو الجامعة. لكن حبّذا لو يشاركني القرّاء بنقد ما لم يعجبهم كي أعرف نقاط الضعف التي عليّ تحسينها، من ناحية المبنى أو المعنى.
هناك لذّة فريدة في قراءة المواضيع الجديدة تطرحها زميلاتي كلّ أسبوع. أعجتُ بأسلوب بعضهنّ وتسحرني مهاراتهنّ في التصوير بالكلمات. تلفتني جرأتهنّ على التحرّر من الذكوريّة وإطلاق العنان لأفكارهنّ المتمرّدة بالتدوين. لم أكن أعلم أنّ لكلّ منّا حكاية. أرى التدوين وسيلة مثلى لاكتشاف الذات ولاستكشاف العالم.

الكتابة أهمّ مهارة على الصحافيّ إتقانها، لأنّه يتّصل بالعالم بالكلمات، مكتوبة أو مرئيّة أو مسموعة. وبما أنّ التدوين كتابيّ، فهو يصقل هذه المهارة، وهنا نقطة التلاقي. لكنّ التداعي الحرّ المتاح في التدوين يغيب في عمل الصحافة، وهنا يتوقّف التكامل بين الأمرين، بسبب التقيّد بالموضوع والأسلوب.

لست مدوِّنة وربّما لن أمارس الصحافة يومًا، لكنّي سأبقى من أنصار الهمزة والشدّة، ولو أزعج ذلك مَن حولي.

رنا داود 

Saturday, February 15, 2014

لمن يهمّه الأمر



شارع الحمرا - بيروت (تصويري)


لمن يهمّه الأمر،
أنتم الذين تدّعون اليساريّة، وتحاضرون بالعلمانيّة، وتتشدّقون بالشعارات الثوريّة، لكنّكم تتعثّرون عند أولى مطبّات الطائفيّة،
أنتم الذين تَدعونَ للديمقراطيّة، وتهتفون للقوميّة، وتحشدون للحوارات السياسيّة، لكنّكم في الواقع مجرّد أتباع لخلاياكم الحزبيّة،
 تناهضون المذهبيّة، وتصرخون باسم الحريّة، وتنبذون التعسّفيّة، لكنّكم تعفّنتم في عبوديّتكم للمناطقيّة،
أنتم الذين تفتخرون بالاستقلاليّة، وتمقتون الطبقيّة، وتهلّلون لنبذ الكراهيّة، لكنّكم تتوهون في دوّامة العنصريّة،
تمجّدون الوطنيّة، وتطردون الفئويّة، لكنّكم تضمرون الأحقاد لإخوانكم في الإنسانيّة، 
أنتم الذين تتعلّقون بهويّتكم العربيّة وتتمسّكون بجذوركم الشرقيّة، لكنّكم تتهافتون لتلميع الجزم الأجنبيّة، 
 يا من تتكاتفون على المنطق وتغتالون العقلانيّة،  
كفّوا عن النفاق، واخلعوا أقنعتكم البائسة،
 وانزعوا أسماءَكم اللبنانيّة.

التوقيع: مواطنة سئمت مهزلتكم الفكريّة.



رنا داود


Tuesday, February 11, 2014

سيجارة فرنسيّة



الصورة عن الشبكة

جلسَت على كرسيّها مضمومة الرجليْن، وتنّورتها السوداء تكاد لا تغطّي منهما شيئًا. في يدها سيجارة تلفظُ آخر أنفاسها. نفخَتْ الدخان الأبيض فوق رأس صديقتها، علّها تزفرُ همومها مع السحب المتصاعدة التي سرعان ما تتبدّد، كما أحلامها. تمايلتْ وصديقتَها بين الحين والآخر مع نغمات الموسيقى الهادئة تارةً والمجنونة تارةً أخرى التي تلعب في أرجاء الحانة، وحذاؤها الأسود يتأرجح ليصطدم بكعب حذاء صديقتها، فتضحكان عاليًا. 
استأذنتها صديقتها بعد حين لانشغالها مع حبيبها ورحلَتْ، تاركةً إيّاها فريسة عيون الساهرين ليلةَ الخميس في شتاء "البار". 

فرَدَتْ شعرَها الأحمر الأشعث على كتفيْها العارييْن، ثمّ أومأَتْ بيمناها لساقي الحانة ليملأ كأسها مجدّدًا، فلبّى طلبها مبتسمًا: "أمرِك ستّنا!". ثمّ سارَعَتْ لتُخرجَ سيجارة أخرى من حقيبتها الصغيرة، فبادرها رجل يجلسُ بجانبها ليشعل سيجارتها بولّاعته الفضّيّة الأنيقة: توهّجت السيجارة وتمنّتْ هي أن لا يتوجّب عليها "ردّ المعروف" لنديمها، أو ربّما أكثر من المعروف بقليل.. شكرَتْه على لطفه وتابعَتْ حرقَ رئتيْها بسلام.

كان يرتشف "الويسكي" على مهل، ويطالع هاتفه الذكيّ من تحت نظّارتيه، ثمّ يتفقّد ساعة يده التي تتماشى مع خاتم بنصره، ويعود إلى كأسه. بدا لها كأنّه رجل أعمال أربعينيّ، وقد صدق تخمينها، بعدما توجّه لها بحديث، بلكنته الأجنبيّة الحادّة، وقال: "ما اسمكِ؟".
- مش مهمّ.
- تشرّفنا. أنا ميلاد.
- آه! أنت عربيّ! لم أخطئ الظنّ! ملامحك عربيّة بلا شكّ. لكنّ لكنتك الحادّة دعتني للشكّ.
- نعم، فقد قضيتُ حوالي ٢٠ عامًا في كندا، وأحمل جواز سفر كنديّ.
- جميل.. همم... دعني أحزر جنسيّتك إذًا. لست خليجيًّا بطبيعة الحال، هل أنت من الشام أو من المغرب؟
- المغرب.
- جزائريّ؟
- أجل!
- لم ألتقِ رجلًا جزائريًّا من قبل.
- حقًّا؟ نحن الجزائريّين متفرّقون في بقاع الأرض، وخاصّة بين أوروبا وأميركا.
- مشكلتي أنّي لا أعرف الكثير عن دولة الجزائر وشعبها، وألوم إعلامنا على إهمال المغرب العربيّ في تغطيته إن كان فنّيًّا أو ثقافيًّا أو حتّى سياسيًّا.
- فعلًا..

وهكذا انطلق الحديث، فأخبرها أنّه مهندس مدنيّ استقرّ في دبي منذ بضعة سنوات ويعمل بين الخليج والعراق وبيروت. أخبرها عن حبّه للسفر، وعن حبّه للأدب العربيّ، وعن ملله من السياسة ورجالها المشبوهين. وأخبرته عن أيّامها التي لا تنام، وعن تعبها في عملها الجديد، وعن اشتياقها لأختها في مثل تلك الأمسية. ضحكا كثيرًا، وطالت دردشتهما. تحدّثا عن العالم وعن الناس حولَهما، رغم أنّهما نسيا وجود مَن حولَهما.. وحدّثها عن عائلته الصغيرة وابنته أمينة وإبنه عمر الذي يتخرّج من الثانويّة نهاية العام. قاطعَتْه، "إذن عمركَ ٥٠؟". فردّ: "بالضبط!". 

بالرغم من أنّها قدّرَتْ سنّه منذ البداية، لكنّها -لسبب تجهله- صُعقَت عند وعيها أنّ ميلاد -الذي يكبرها بثلاثة عقود- بعمر والدها الذي لم تسنح لها الفرصة يومًا أن تجالسه، لا في بار، ولا في دار عبادة. ربّما سقطت المعلومة سهوًا في أسفل قدحها الذي لم يملّ من تدليل الساقي له. استدركت الموقف وقالت له ممازحة: "أنتَ كأبي!". "وأنتِ من جيل إبنيّ!"، ردّ قائلًا. 

- دعيني أشتري لك مشروبًا آخر.
- لكنّي شربتُ الكثير اليوم.
- لا بأس، ليكُن الأخير.
- حسنًا. 

شربَتْ آخر قدح وأفرغتْ علبة السجائر تمامًا، بالرغم أنّها نادرًا ما تدخّن. انشغلت بإطفاء الأخيرة، فوجدته يدفع الفاتورة. تناول معطفه من على المنضدة، وترك لها علبة سجائره الفرنسيّة وقد بقي فيها ٤ لفائف، ثمّ قبّل وجنتيها بشفتين باردتين، وقال "طابت ليلتُكِ"، ورحل. تبعتهُ بعينيْها المتعبتيْن وشاهدته يهمّ السير إلى المخرج، لكنّها لم تسمع وقع خطواته، ليس لصخب الموسيقى في الحانة، بل لأنّ والدها قد رحل للتوّ. احتفظت بالعلبة، مسحت دموعها، حيّت الساقي، وغادرَت هي أيضًا. 

كان الرصيف خارجًا خاليًا من الوجوه. 


رنا داود
الصورة عن الشبكة

Tuesday, February 4, 2014

عمتَ مساءً


 حقوق الصورة محفوظة http://goo.gl/VIXIuL

أعود لكوخي الصغير بعد ساعات طويلة قضيتها في مكتبي الذي تعمّه الفوضى، وأخلع ملابسي وأرتّبها في الخزانة، ثمّ أنزع قناعي وأعيده إلى الرفّ. 
بعدها أزيل عنّي تعب النهار بحمّام ساخن لا يغسل خطاياي. ثمّ أغطّي جسدي العاري ب“البيجاما" المفضّلة لديّ. 
بعد ذلك أخلد إلى الفراش في غرفتي المظلمة، وأتظاهر بأنّي لم أكذب اليوم، وأدّعي أنّي لا أشتاقُ إليك، وأنّي لا أتحرّق لسماع صوتكَ قبل أن أودّع العالم لبضع ساعات. 
لن ترمي عليّ السلام صباح غد.

رنا داود


Monday, January 27, 2014

معركة خاسرة


الصورة عن الشبكة

ستحلّ عليك لعنتي بينما تحاول - عبثًا - تنشّق الحبّ من على جسدها النحيل،
وستفتّش في منحنياتها عن نار صمتي أو كلامي القليل.

وستحبس من آهاتها ما يطيّب جرح الهزيمة بعد نزواتك،
وستلملم من صحرائها آخر قطرات كي تروي ظمأ غزواتك.

وستقبّل زواياها وتداعب أطرافها وتتمنّى لو أنّك لم تعرف هواي،
فلن تهزّ رجولتك تفاصيل سواي.

لن تجد في جبالها نسماتي التي تحييك،
وستذبل في وديانها سنابل ناعمة كانت تُغريك.


دعكَ من البحث العقيم.
فأنا من أشعلت ناَرك،
وأنا من نارُها ستُنهيك.

رنا داود